خضير ميرى خرج من رماد الموت ليكتب أيام العسل والجنون!!
كتبهاالسيد فتحى ، في 29 أبريل 2009 الساعة: 18:54 م
Normal 0 MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman";}
"أخذت من الجنون كل ما ينقصنى من الحرية"
هكذا صرخ فى وجه الحضارة الأمريكية الزائفة، أشعل خضير كل المسكوت عنه فى الذاكرة الجمعية العربية، استل أضلاعه واحدا تلو الآخر ليكتب بدمه عن المرضى، وليسقط كل جدران الخوف عن المقهورين رغما عنهم.
يفضح كل المتنفذين والمؤسسات الهشة للأنظمة القمعية، رائدا فى تأسيس خطاب "كيفية الوعى التام لما يحدث للذاكرة العربية" منطلقا من جنون الكتابة إلى عدمية الحياة..!!
أيام العسل والجنون تسجيل حى لما يمارس علينا من تجريف العقل العربى، وبعيدا عن نظرية المؤامرة.
كيف يهدىء طائر الجنون من صيحاته، يلطمنا، ويدمينا، ويهدر دمنا، صارخا فى خرائبنا وأرواحنا المتكلسة.
إذ كيف تطلق الريح نارها فى خيام القبيلة، وكيف تشحذ الحرب همتها فينا؟!
هل تصبح سماءنا ملغومة بالصواريخ لأربعين يوما، والوحش القصديرى يأكل قلوبنا كالنقانق مع خمر نفطنا، هل مورس التدمير الكامل للإنسان العراقى من عقل وجسد، وروح، وإرادة، وهل امتص الوحش رحيق الحياة والنفط فأودى بحياة أربعمائة مريض من مرضى مستشفى الرشاد للأمراض النفسية والعقلية؟!!
كيف حكى لى خضير أن جغرافيا خمسة أمتار هى التى منعت الصاروخ العاجز الذى سقط على المستشفى فى 9 شباط من التسبب بكارثة إنسانية كانت من الممكن أن تكون أكبر من كارثة ملجأ العامرية، وكيف أنه فى شمال شرق مدينة بغداد التى أعرفها عن ظهر قلب، وأعرف كل مليمتر منها.. أن يتجمع 1500 مريض عقلى معزولون عن أهلهم فى مستشفى الرشاد للأمراض النفسية، كيف تم قصف هؤلاء فى ليلة 16/17 من كانون الثانى 1991؟!
وكيف أن خضير سجل كل هذه الكارثية، والسادية، وبقيت جذوة إبداعه مشتعلة، وعقله واعيا يقظا بعد أن امتلأت ثلاجة الموتى بالجثث؟!
وكيف أن خضير الذى كان كلما التقيته فى المربد أو جرش أو سوريا أو القاهرة، كان دوما يطرح سؤاله الملح: ما العدم؟! وما الوجود؟!
نجلس نحتسى القهوة وتبدأ المحاورات عن العدمية والتفكيكية، ونقد العقل الغربى وخلخلة البنى الفلسفية الثابتة والمقولبة، ونكسير أطر قديمة عن وجود الإله من عدمه، فإن العقل يطرح أسئلة، ولا يتلقى أجوبة جاهزة؟!!
هذه الروح المغايرة وأنت تجالسه تستمع وتنقده، نختلف ، ونتفق ببراءة المكونات، حيث كل لحظة نولد من جديد، لا نمتلك معرفة جاهزة، فكل معرفة تتكون وتتشكل بذائقة جديدة.
هل قلت أن كتابات خضير كانت أخطر، وأبقى من دمار "طائر البط الحديدى"؟!
وهل الوجود والعدم الذى ظل يساءلنى به أكثر من عشرين عاما، صار واقعا ملموسا وحيا فى مستشفى الرشاد؟!
وهل ظل "حسيب" الذى كافح من أجل البقاء، ومن أجل قيامته الخاصة؟!
[وهل أعلنت السماء إحتجاجها على أن تبقى معلقة،
فقد آن لها الأوان لأن تحتضن البشر]
كتب خضير لينتصر على إرادة الموت بإرادة الكتابة!!
[ماذا يعنى الموت أكثر من ضحكة بلا صوت، ورغبة للإغتسال بقطعة من الصابون، ولا أحد هنا، على الإطلاق يعرف ما معنى أن تموت]
الفصل الثالث/ طيران مريلة بيضاء
[لقد أدمن معظم الأحياء من ذوى العاهات "الدماغية" على حياة شبه منتهية، ولم يمنع هذ التضامن المؤقت على أن شيئا أفضل من لا شىء.. مجنون حى خير من عاقل ميت، وهناك من كان قادما على صهوة قتل لا شعورى..
جريمة مصورة / اغتصاب بعوضة /
تغرير بغلام/ جرح طوطم / سوء فهم الأحباء/ رشوة محام/ التلصص من ثقب الباب/ الثأر الفعلى من الأب/ التغرير بالأخت الصغيرة / وربما كذلك التبول واقفا فى مكان عام، محرمات شتى، وقلادات ذنوب، مصائب وكوارث لا حصر لها تحدث بين جدران وسقف الحياة]
الفصل الرابع
أسراب البط
التى استحالت إلى شموس صغيرة
خضير فى هذا الكتاب قاتل بفوضاه ليصنع لوحات مدهشة لا أول لها ولا آخر، كتب هذا الكتاب ضد مأتمية واقعنا ومن أجل عرس الحياة.
يكفينا أن نبقى لنشعل الواقع بجنون الكتابة الكارثية!!
ليس مهما أن نكون على حق أو على باطل، إذا كان الدم والمأساة ودراماتيكية القتل تحاصرنا من كل اتجاه!!
لابد أن ننتصر لأن تربة بلادنا غير صالحة للنخيل الصناعى!!
والملائكة لن تصلى إلا على أرواح الشهداء.
فى حكايات من الشماعية!!
يفاجئنا خضير بطفولته ونزق كتابة ساخرة، وشائكة، دامية، وسوداء تذبح قلوبنا بسكين ثلم!!
[لنضحك على الأحياء،
لكى لا يسخر منا نحن الموتى] ص 137
لا أدرى هل أحتفى به أم ابكى قهرا، أم دمعا أسود، دمعا أم نزيفا / لم أنم منذ قراءتي لـ(أيام العسل والجنون).
تشكل وعيي بشكل آخر، رغم أننى عايشت حروبا كثيرة وخيبات أكثر منذ العام 67 وحرب الاستنزاف، موت عبد الناصر، حرب 73 ، ثم فصل القوات فى الكيلو 101 ، وهزيمة 79 باتفاقية (معسكر داوود)، وحرب العراق وإيران، وكنت وقتها بين تكريت/ بغداد / البصرة / أربيل / السليمانية، لا أحد تكتبه الحقيقة، كُتاب السلطة لا يحبرون أقلامهم إلا من محبرة السلطان، ويزورون الحقائق، المشاعر، التواريخ، لا أحد يمدح سوى الغياب، النعاس، الاستمناء السياسى!!
الضحية واضحة، والقاتل نحتت ملامحه فى عقلى بالرصاص/ لا احد يمدح السماء/ ولا يستمطرها كرامة جدباء.
السماء التى تمطر فسفورا، وموتا، وصرخات ودم!!
ويف أن الـ( F) 15 و 16 تسترق السمع كالشياطين!!
آلاف الأطنان من اليورانيوم المشع سقطت، فأبادت كل شىء/ هل الفرح قصيدة فقدت عذريتها تحت أقدام المارينز/ لم يعد لبيع القطع البشرية والأعضاء الحية معنى/ سرقوا التاريخ، الجغرافيا، النفط ، والإنسان.
علينا أن نسقط سراويلنا لكل العابرات / ولجميع هراوات الدولة!!
الدولة التى أدمنت عهر الطرقات!!
[تربعت أرضا ثم نشرت الصور على الأرض وأخذت تنظر بتركيز شديد، وقد كشفت عن ساقيها ثم نهضت ماسكة بإحدى الصور ثم صعدت على الأريكة ونامت على ظهرها، وتركت دشداشتها تنحسر عن فخذيها ، حينها دخلت أنا بهدوء بعد أن فتحت الباب دون أن أجعله يطلق صوتا، إنقلب العالم كله إلى عزاء، وصرخت صرخات مكتومة ثم سقطت تحت قدمىَّ ضعيفة واهية، عضتنى مرات عديدة فى أذنى، ثم ارتعشت وأنا ألحس الدموع عن خديها ، وهربت من تحتى، هربت أنا من المنزل، لأعود بعد أسبوع لأجدها مريضة، طريحة الفراش، وعاد أبى مؤخرا مخذولا، ولا غنائم لديه ليصنع عزاء عشائرى لأمى التى ماتت، وبعد حين من الوقت لاحظت شحوب أختى وصعوبة مشيتها، ونوبات التقيؤ تراودها ، وأنا مازلت قشة أنتظر المزيد من العواصف لأتقلب فيها عسى أن أنسى أننى عشت ولو لمرة واحدة]
قصة حماد النزيل الجديد فى (مساء الإسفنج) ص 147
لا يدق هنا خضير نواقيس الخطر، بل يشعل روحه فى ظهيرة الاحتراق ليبصرنا نحن عميان البصيرة، بما يحدث من اغتصاب الحقوق إلى اغتصاب الأجساد، والأنفس، والأرواح، وصولا لاغتصاب سلطات ومؤسسات الشعب لحفنة من العجزة والشائهين فكريا وروحيا، البلهاء يتحكمون فى مصائر الشعوب.
وهل كان (جورج دبليو بوش) إلا عاجزا نفسيا وروحيا وإلا لماذا تسبب فى كل هذا الدمار، وإزهاق الأرواح ، والأنفس، والمليارات، وكل متنفذ مؤسساتى على شاكلته، الخراب الروحى والنفسى هو الذى ساق الحياة إلى الهاوية.
خضير لا يكتب كتابة كارثية فقط، بل الواقع هو أشد خطورة وبلاهة، وكوابيسه وأشباحه، وسرياليته هى التى أكثر كارثية من مداد خضير.
خضير شاهد على عصر ديماجوجى وشيفونى، كتب ضد قهر النفس والروح الممارس عليه وعلينا، قهر الشعوب والإنسان قضيته تلبسها وتلبسته فأرقته، كيف أن (الإنسان) صائر للعدم / الفناء / كيف يصنع بالعظام كل هذا الفعل اللا إنسانى، كيف تتم انسحاقيتنا بالإنصهار الكبريتى على حوائك كونكريتية؟!!
وكيف تصرخ فيه الممرضة التى قضت معهم أكثر من عشرين عاما تدافع عن الجنون الذى لا مشفى منه.
[تصور هل بمقدورك أن تعود إلى منزلك اليومى، براحة بال وأنت تشاهد فى كل لحظة أشباه آدميين يصرخون، ويقصون أطراف رؤوسهم بموسى للحلاقة...إلخ..]
(الحياة هى أن لا تكون كهؤلاء) ص37
صرخة مرعبة تطلقها الممرضة فى وجه الموت لقبائل "فايكنج العصر" ضد الحياة "شبه المنتهية" والانسحاقية !!
الحياة المحملة بأصوات الأبالسة التى ترمينا فى أكياس للزبالة، والمجارير!!
إنها الحياة/ الخطر/ الرعب الكونى/ والقنابل العنقودية/ وصراخ البط الحديدى أو الأبقار التى تدمى العيون، والقلوب، والأرواح/ الأشباح، الهواء المسكون بالموت، المرضى الذين احتملوا طوال حياتهم زهرة البؤس أكثر مما ينبغى..
الدموع لم تعد كافية تماما لاستدرار رحمة السماء!!
الضفادع ركضت بما فيه الكفاية!!
لم تعد دروس اللغة تكفى، سقطت كل المجازات، والاستعارات، والتشبيهات فى "قازان المرق"!!
حين تصبح الكتابة فوق تصور العقل.
الوجود/ العدم.
الكتابة فوق تصور انسحاق العظام/ الدماء.
الكتابة بالأجساد المشوهة للتاريخ على مذابح المغول الجدد فوق حوائط الكونكريت!!
خضير ميرى يفتح وعى عقولنا عن آخرها فى هذا الكتاب "أيام العسل والجنون" ويجعلنا نقرأ بالروح!!
الصادر عن مكتبة مدبولى / طبعة أولى 2008
السيد فتحى
من ثلاثاء الوجع
إلى سبت الفجيعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج























مايو 3rd, 2009 at 8:32 م
السلام عليكم
صديقى الجميل الشاعر السيد فتحى
ارك دائما متألقا فى كل المحافل الأدبية
بالأمسيات والندوات والمهرجانات
واليوم اراك متألقا فى المقال
خضير ميرى خرج من رماد الموت ليكتب أيام العسل والجنون!!
حين أقرأ اشعارك العالمية أشعر بلذة غير عادية
ولكنى حين أسمعك وأشاهدك وانت تلقى النص
أشعر اننى احلق فى الفضاء
اتمنى لك مزسدا من الرقى والتفوق
لك مودتى وأجمل باقات الزهور
اخيك محمد فتحى السيد